أحمد بن علي القلقشندي
368
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ذلك ، وتصويبهم له ، خروجا من الخلاف . فقد حكى الرافعيّ رحمه اللَّه ، وجهين فيما إذا كان المعهود إليه أجنبيّا من العاهد ليس بولد ولا والد ، هل يجوز أن ينفرد بعقد البيعة له وتفويض العهد إليه ولا يستشير فيه أحدا ؟ أصحّهما الجواز ؛ لأنّ العهد إلى عمر ، رضي اللَّه عنه ، لم يوقف على رضا الصحابة رضوان اللَّه عليهم ، ولأنّ الإمام أحقّ بها ، فكان اختياره فيها أمضى ، وقوله فيها أنفذ . وحكى الماورديّ في جواز انفراد العاهد بالبيعة فيما إذا كان المعهود إليه والد أو ولدا ثلاثة مذاهب : أحدها - ما اقتصر الرافعيّ ، رحمه اللَّه ، على نسبته إلى الماورديّ ، ومقتضى كلامه ترجيحه : أنه يجوز الانفراد بعقدها للولد والوالد جميعا ؛ لأنه أمير للأمة نافذ الأمر لهم وعليهم ، فغلَّب حكم المنصب على حكم النسب ، ولم يجعل للتّهمة طريقا على أمانته ، ولا سبيلا إلى معارضته . والثاني - أنه لا يجوز انفراده بها لولد ولا والد حتّى يشاور فيه أهل الاختيار فيرونه أهلا لها ، فيصحّ منه حينئذ عقد البيعة ، لأن ذلك [ منه ] تزكية [ له ] تجري مجرى الشهادة ، وتقليده على الأمة يجري مجرى الحكم ، والشهادة والحكم ممتنعان من الولد والوالد للتّهمة ، لما جبل عليه من الميل إليهما . والثالث - أنه يجوز أن ينفرد بعقد البيعة لوالده دون ولده ؛ لأنّ الطبع إلى الولد أميل ، فأما عقدها لأخيه وغيره من الأقارب والمناسبين فكعقدها للأجانب في جواز الانفراد بها . ومنها : أن ينبّه على العلم بحياة المعهود إليه ووجوده إن كان غائبا ، فقد قال الماورديّ : إنه لو عهد إلى غائب مجهول الحياة لم يصحّ عهده ، وإن كان معلوم الحياة صح ، ويكون موقوفا على قدومه . ومنها : أن ينبّه على أن المعهود إليه منصوص عليه بمفرده ، أو وقع العهد شورى في جماعة وأفضت الخلافة إلى واحد منهم بإخراج الباقين أنفسهم منها ،